لم يعد الأمن السيبراني في عالم اليوم مسألة تقنية تخص أقسام تكنولوجيا المعلومات وحدها، ولم يعد الحديث عنه يقتصر على حماية جهاز حاسوب من الاختراق أو تثبيت برنامج للحماية.
نحن أمام مفهوم أوسع بكثير.
فكلما تحولت الدولة إلى الخدمات الإلكترونية، واعتمدت المؤسسات على قواعد البيانات والمنصات الرقمية، وانتشرت تطبيقات الدفع الإلكتروني والخدمات المصرفية والاتصالات والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، أصبحت حماية الفضاء الرقمي جزءاً من حماية الدولة نفسها.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه في العراق ليس فقط:
كيف نحمي أنظمتنا من الاختراق؟
بل:
كيف نبني دولة رقمية قادرة على حماية بياناتها، ومؤسساتها، واقتصادها، ومواطنيها، وبنيتها التحتية، وسيادتها الرقمية؟
هذه النقلة في طريقة التفكير هي، من وجهة نظري، نقطة البداية الحقيقية لبناء أمن سيبراني وطني قادر على مواكبة التحولات العالمية.
أولاً: ما الأمن السيبراني ولماذا أصبح قضية دولة؟
الأمن السيبراني هو منظومة متكاملة من السياسات والتقنيات والإجراءات والكوادر والتشريعات التي تهدف إلى حماية الأنظمة والشبكات والبيانات والخدمات الرقمية من الاختراق أو التخريب أو السرقة أو التعطيل أو الاستخدام غير المشروع.
لكن المفهوم على مستوى الدولة يتجاوز ذلك.
فعندما تصبح خدمات الدولة رقمية، تتحول البيانات الحكومية إلى أصول وطنية ذات قيمة استراتيجية.
قواعد بيانات المواطنين أصول.
الأنظمة المالية والمصرفية أصول.
شبكات الاتصالات أصول.
أنظمة الوزارات والمؤسسات أصول.
البنية التحتية للطاقة والنقل والخدمات أصول.
والمنصات التي تقدم الخدمات الحكومية للمواطنين أصبحت جزءاً من البنية الأساسية للدولة الحديثة.
لذلك فإن الأمن السيبراني ليس عائقاً أمام التحول الرقمي، بل أحد شروط نجاحه.
لا يمكن بناء دولة رقمية حقيقية من دون بناء دولة آمنة رقمياً.
أين يقف العراق اليوم؟
من الخطأ القول إن العراق لم يبدأ في مجال الأمن السيبراني، كما أنه من الخطأ القول إننا وصلنا إلى المستوى الذي نطمح إليه.
العراق بدأ فعلياً ببناء مؤسسات وقدرات ومبادرات في هذا المجال، ومن أبرز التطورات وجود المركز الوطني للأمن السيبراني، الذي يضع ضمن أهدافه حماية البنية التحتية والمؤسسات الحكومية، وتطوير القدرات الوطنية، ونشر الوعي والثقافة السيبرانية، وبناء الشراكات المحلية والدولية.
لكن المؤشرات الدولية تعطينا صورة أكثر وضوحاً عن حجم المسافة التي ما زلنا بحاجة إلى قطعها.
ففي الإصدار الخامس من مؤشر الأمن السيبراني العالمي GCI 2024 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، جاء العراق ضمن فئة **Tier 4 – Evolving**، أي الدول التي تمتلك جهوداً في مجال الأمن السيبراني ولكن منظومتها ما تزال في مرحلة التطور.
ويقيس المؤشر التزام الدول عبر خمسة محاور أساسية:
التدابير القانونية، والتدابير التقنية، والتدابير التنظيمية، وتنمية القدرات، والتعاون.
وبالتالي فإن تحسين موقع العراق لا يتحقق بشراء تقنيات أمنية فقط، وإنما من خلال بناء منظومة متكاملة تغطي هذه المحاور جميعاً.
ماذا أنجز العراق؟
من المهم عند تقييم الواقع العراقي ألا ننظر فقط إلى نقاط الضعف.
هناك تحول واضح في مستوى الاهتمام الرسمي بالأمن السيبراني مقارنة بالسنوات السابقة.
وجود جهة وطنية متخصصة يمثل خطوة مؤسساتية مهمة.
كما بدأ مفهوم الأمن السيبراني ينتقل تدريجياً من كونه موضوعاً تقنياً محدوداً إلى قضية مرتبطة بالأمن الوطني والتحول الرقمي.
وأصبح هناك اهتمام أكبر بتقييم الأنظمة والشبكات، واكتشاف الثغرات، وإدارة المخاطر، وبناء القدرات البشرية، والتوعية، والتعاون مع المؤسسات المختلفة.
ويعلن المركز الوطني للأمن السيبراني أن رسالته تشمل حماية الفضاء السيبراني الوطني، وتطوير القدرات، وتعزيز الوعي والثقافة السيبرانية، وتقديم الخدمات المتخصصة للقطاعين العام والخاص.
هذه خطوات إيجابية يجب البناء عليها.
لكن الانتقال من وجود المبادرات إلى بناء منظومة وطنية ناضجة يحتاج إلى مرحلة جديدة من العمل.
التحدي الأول: الانتقال من الأمن السيبراني كرد فعل إلى الأمن السيبراني الاستباقي
أحد أهم التحولات المطلوبة هو تغيير فلسفة التعامل مع الأمن.
في النموذج التقليدي، تقع المشكلة ثم تبدأ المؤسسة بالبحث عن حل.
أما النموذج الحديث فيقوم على:
التوقع، الوقاية، الاكتشاف، الاستجابة، التعافي والتعلم من الحوادث.
أي أن المؤسسة يجب أن تفترض منذ البداية أن التهديد موجود وأن الاختراق ممكن.
ولهذا يجب ألا يكون السؤال:
هل سنتعرض لهجوم؟
بل:
متى يمكن أن نتعرض له؟ وهل نحن مستعدون عندما يحدث؟
وهنا تظهر أهمية خطط الاستجابة للحوادث، وإدارة المخاطر، والنسخ الاحتياطية، وخطط استمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث، والمراقبة المستمرة، واختبارات الجاهزية.
التحدي الثاني: حماية البنية التحتية الحيوية
أخطر الهجمات السيبرانية ليست بالضرورة تلك التي تستهدف حساباً شخصياً.
الخطر الأكبر على مستوى الدولة هو استهداف البنية التحتية الحيوية.
وهذا يشمل قطاعات مثل:
الطاقة والكهرباء، النفط والغاز، المصارف، الاتصالات، النقل، المؤسسات الصحية، أنظمة الدولة، المياه والخدمات الأساسية، والمنظومات المالية.
تعطل خدمة رقمية بسيطة قد يسبب إزعاجاً.
لكن تعطل بنية تحتية حيوية قد يتحول إلى مشكلة اقتصادية أو خدمية أو أمنية.
ولهذا يجب تحديد ما يسمى **Critical Infrastructure** على المستوى الوطني، وتصنيف الأنظمة حسب حساسيتها، ووضع معايير أمنية إلزامية تتناسب مع مستوى الخطورة.
التحدي الثالث: البيانات والسيادة الرقمية
من أكثر الملفات التي أرى أنها ستصبح حاسمة للعراق خلال السنوات المقبلة قضية السيادة الرقمية.
أين توجد البيانات العراقية؟
من يديرها؟
من يمتلك صلاحية الوصول إليها؟
ما مستوى تشفيرها؟
أين توجد النسخ الاحتياطية؟
ما القوانين التي تخضع لها عندما تستضاف خارج البلاد؟
وماذا يحدث إذا أصبحت الدولة تعتمد بشكل كامل على بنية تحتية أو تقنيات خارجية في خدمات استراتيجية؟
لا يعني مفهوم السيادة الرقمية الانغلاق عن العالم أو رفض الخدمات العالمية.
بل يعني أن تعرف الدولة أين توجد أصولها الرقمية الحساسة، ومن يتحكم بها، وأن تمتلك القدرة القانونية والتقنية والمؤسساتية على حمايتها وإدارتها.
وهنا تصبح مراكز البيانات الوطنية، وسياسات تصنيف البيانات، والتشفير، وإدارة الهوية الرقمية والصلاحيات، والحوسبة السحابية الآمنة عناصر مرتبطة بالأمن الوطني وليست مجرد مشاريع تقنية.
التحدي الرابع: العنصر البشري
يمكن للدولة أن تشتري أحدث الأجهزة والبرامج، لكنها لا تستطيع شراء ثقافة أمنية جاهزة.
الإنسان ما يزال عنصراً أساسياً في المعادلة.
موظف يستخدم كلمة مرور ضعيفة.
شخص يفتح رابطاً مزيفاً.
موظف يشارك معلومات حساسة بطريقة غير آمنة.
مسؤول يمنح صلاحيات أكبر مما يحتاجه المستخدم.
كل ذلك يمكن أن يحول استثماراً تقنياً كبيراً إلى منظومة معرضة للخطر.
ولهذا فإن التدريب لا يجب أن يقتصر على متخصصي الأمن السيبراني.
نحتاج إلى مستويات مختلفة من التدريب تبدأ من الموظف العادي، مروراً بمديري الأنظمة والمبرمجين، وصولاً إلى القيادات وصناع القرار.
التحدي الخامس: الوعي الرقمي للمجتمع
الأمن السيبراني الوطني لا يبدأ من المؤسسات الحكومية فقط.
المواطن جزء من المنظومة.
الاحتيال الإلكتروني، وانتحال الهوية، والحسابات المزيفة، وسرقة الحسابات، والتصيد الإلكتروني، والتزييف العميق، والابتزاز الإلكتروني، وتسريب المعلومات الشخصية كلها تهديدات أصبحت تمس المجتمع بصورة مباشرة.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي أصبحت صناعة الصور والأصوات ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة وإقناعاً.
وهذا يجعل **محو الأمية الرقمية** جزءاً أساسياً من الأمن السيبراني.
المواطن الواعي رقمياً يمثل خط دفاع.
والمجتمع الذي لا يمتلك وعياً رقمياً كافياً يصبح أكثر عرضة للتضليل والاحتيال والاستغلال.
التحدي السادس: التشريعات
التكنولوجيا تتغير بسرعة كبيرة، ولذلك يجب أن تكون البيئة القانونية قادرة على مواكبة التحول.
نحتاج إلى منظومة تشريعية واضحة ومتكاملة تتعامل مع حماية البيانات والخصوصية، والجرائم الإلكترونية، والمسؤوليات المؤسسية، والإبلاغ عن الحوادث، والأدلة الرقمية، والتعامل مع البيانات الحساسة، والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة.
كما يجب تحقيق توازن مهم جداً:
حماية الأمن من جهة، وحماية حقوق المواطن وخصوصيته من جهة أخرى.
فالأمن السيبراني الحقيقي لا يعني توسيع الرقابة بلا ضوابط، وإنما بناء فضاء رقمي آمن تحكمه قواعد قانونية واضحة.
التحدي السابع: نقص الكفاءات المتخصصة
الأمن السيبراني مجال واسع جداً.
الدولة لا تحتاج فقط إلى أشخاص يعرفون أساسيات الحماية.
نحتاج إلى متخصصين في:
أمن الشبكات، أمن التطبيقات، أمن الحوسبة السحابية، التحليل الجنائي الرقمي، الاستجابة للحوادث، استخبارات التهديدات، إدارة المخاطر، الحوكمة والامتثال، اختبار الاختراق، أمن الأنظمة الصناعية، أمن الذكاء الاصطناعي، وإدارة الهوية والوصول.
وهنا يجب أن تتحول الجامعات العراقية من تدريس المعرفة النظرية فقط إلى بناء قدرات عملية مرتبطة باحتياجات الدولة والسوق.
التحدي الثامن: الفجوة بين شراء التكنولوجيا وبناء القدرة الوطنية
هناك فرق كبير بين أن تمتلك الدولة تكنولوجيا وبين أن تمتلك قدرة رقمية وطنية.
يمكن شراء نظام متطور.
لكن من سيشغله؟
من سيطوره؟
من سيدققه؟
من سيتعامل معه عند حدوث مشكلة؟
ومن يضمن ألا تصبح الدولة مرتبطة بمزود واحد بصورة دائمة؟
لذلك يجب أن يكون هدف العراق ليس استيراد الحلول فقط، وإنما نقل المعرفة وبناء الخبرة المحلية وتطوير الصناعة التقنية العراقية.
الجوانب الإيجابية للتحول الرقمي والأمن السيبراني
عندما نبني منظومة أمن سيبراني قوية، فإن الفائدة لا تقتصر على منع الاختراقات.
الأمن السيبراني يعزز ثقة المواطن بالخدمات الحكومية الرقمية.
ويساعد المؤسسات على تقديم خدمات إلكترونية أكبر.
ويدعم المصارف والدفع الإلكتروني والتجارة الإلكترونية.
ويشجع الشركات والمستثمرين على الدخول إلى الاقتصاد الرقمي.
ويساعد في حماية الملكية الفكرية.
ويسهم في خلق وظائف جديدة.
كما يسمح للعراق بالتوسع في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء والمدن الذكية بصورة أكثر أماناً.
ولهذا فإن الإنفاق المدروس على الأمن السيبراني ليس مجرد تكلفة.
إنه استثمار في الاقتصاد الرقمي.
لكن للأمن السيبراني جانب اقتصادي أيضاً
العالم يتجه إلى اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على البيانات والمنصات والخدمات الرقمية.
وكلما ازداد اعتماد الاقتصاد على التكنولوجيا، أصبحت الثقة الرقمية عاملاً اقتصادياً.
الشركة لن تستثمر بسهولة في بيئة رقمية لا تثق بحماية بياناتها فيها.
والمواطن لن يعتمد بالكامل على الخدمات الإلكترونية إذا كان يخشى فقدان أمواله أو معلوماته.
ولهذا فإن الأمن السيبراني أصبح جزءاً من بيئة الاستثمار.
ومن هنا يمكن للعراق أن ينظر إلى هذا القطاع أيضاً باعتباره فرصة اقتصادية.
الشركات العراقية المتخصصة بالأمن السيبراني، ومراكز العمليات الأمنية، وخدمات الحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، وتطوير البرمجيات، والاستشارات والتدريب يمكن أن تتحول إلى صناعة حقيقية توفر فرص عمل وتقلل الاعتماد الكامل على الحلول المستوردة.
-ماذا تفعل الدول المتقدمة بصورة مختلفة؟
الدول المتقدمة سيبرانياً لا تعتمد على برنامج أو مؤسسة واحدة.
هي تبني **Cybersecurity Ecosystem**، أي منظومة وطنية مترابطة.
توجد استراتيجية.
وتوجد جهة واضحة للقيادة والتنسيق.
وتوجد تشريعات.
وتوجد معايير إلزامية.
وتوجد فرق للاستجابة للحوادث.
وتوجد مراكز عمليات أمنية.
وتوجد برامج لتطوير الكفاءات.
وتوجد شراكة مع الجامعات والقطاع الخاص.
وتوجد آليات للتعاون الدولي وتبادل المعلومات.
كما توجد مراجعة مستمرة للجاهزية.
وهذه النقطة مهمة جداً للعراق:
الأمن السيبراني ليس مشروعاً له تاريخ انتهاء، وإنما عملية مستمرة.
ماذا يحتاج العراق للوصول إلى مستوى الدول المتقدمة؟
من وجهة نظري، يحتاج العراق خلال المرحلة المقبلة إلى بناء خارطة طريق وطنية واضحة تقوم على مجموعة محاور مترابطة.
أولاً، تطوير إطار وطني موحد للجاهزية السيبرانية يمكن تطبيقه على المؤسسات الحكومية والقطاعات الحيوية.
ثانياً، إجراء تقييم دوري لنضج المؤسسات بدلاً من الاكتفاء بفحص تقني لمرة واحدة.
ثالثاً، تحديد وتصنيف البنى التحتية الحيوية ووضع متطلبات أمنية واضحة لكل قطاع.
رابعاً، تطوير قدرات الاستجابة للحوادث وربط الجهات ذات العلاقة ضمن آلية وطنية للتنسيق.
خامساً، إنشاء وتعزيز مراكز عمليات أمنية SOC قادرة على المراقبة والتحليل والاستجابة.
سادساً، تطبيق مبادئ **Zero Trust** بصورة تدريجية، بحيث لا تُمنح الثقة للمستخدم أو الجهاز بصورة تلقائية.
سابعاً، التوسع في استخدام المصادقة متعددة العوامل وإدارة الهوية والصلاحيات.
ثامناً، بناء سياسة وطنية واضحة لتصنيف البيانات وحمايتها.
تاسعاً، تطوير سياسات متقدمة للنسخ الاحتياطي والتعافي من الكوارث واستمرارية الأعمال.
عاشراً، بناء برامج وطنية لتطوير الكفاءات والشهادات المهنية والتدريب العملي.
الحادي عشر، تعزيز التعاون بين الحكومة والجامعات والقطاع الخاص.
الثاني عشر، دعم الشركات العراقية المتخصصة بالتكنولوجيا والأمن السيبراني.
الثالث عشر، اعتماد المعايير والأطر الدولية مثل **NIST Cybersecurity Framework** ومعايير **ISO/IEC 27001** مع تكييفها بما يتناسب مع البيئة العراقية.
الرابع عشر، تطوير منظومة وطنية للتوعية الرقمية تبدأ من المدارس والجامعات ولا تنتهي عند المؤسسات الحكومية.
الذكاء الاصطناعي سيغير معادلة الأمن السيبراني
لا يمكن الحديث عن مستقبل الأمن السيبراني في العراق من دون الحديث عن الذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي يمثل فرصة وتهديداً في الوقت نفسه.
يمكن استخدامه لتحليل كميات ضخمة من البيانات، واكتشاف الأنماط غير الطبيعية، وتسريع اكتشاف التهديدات ومساعدة فرق الأمن في تحليل الحوادث.
وفي المقابل، يمكن إساءة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير أساليب الاحتيال والتصيد والهندسة الاجتماعية والتزييف العميق بصورة أكثر إقناعاً.
لذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب أن نبني أمناً سيبرانياً للذكاء الاصطناعي، وأن نستخدم الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني في الوقت نفسه.
رؤية المهندسة سجى البياتي
أرى أن العراق يمتلك فرصة حقيقية للانتقال من مرحلة التعامل مع الأمن السيبراني كحاجة تقنية إلى اعتباره ركناً من أركان الدولة الرقمية.
ولا أعتقد أن الحل يكمن في استنساخ تجربة دولة أخرى بصورة كاملة.
العراق يحتاج إلى نموذج يناسب واقعه المؤسسي والاقتصادي والتقني.
رؤيتي تقوم على بناء منظومة عراقية ذكية ومتكاملة للجاهزية السيبرانية والسيادة الرقمية، تربط بين التكنولوجيا والإنسان والمؤسسات والتشريعات والاقتصاد.
هذه المنظومة يجب ألا تقيس فقط عدد الأنظمة الأمنية الموجودة داخل المؤسسة، وإنما تقيس قدرتها الحقيقية على الصمود.
هل تعرف المؤسسة أصولها الرقمية؟
هل تعرف مخاطرها؟
هل تعرف من يمتلك صلاحية الوصول إلى البيانات؟
هل تستطيع اكتشاف الهجوم؟
كم تحتاج من الوقت للاستجابة؟
هل تستطيع الاستمرار في تقديم خدماتها أثناء الأزمة؟
هل تستطيع استعادة أنظمتها؟
هل كوادرها مؤهلة؟
وهل تتعلم من الحوادث السابقة؟
هذه الأسئلة هي التي تحدد الجاهزية الحقيقية.
وأرى أيضاً ضرورة بناء مؤشر وطني للجاهزية السيبرانية يسمح بتقييم المؤسسات والقطاعات بصورة دورية، وتحويل الأمن السيبراني من مفهوم عام إلى أرقام ومؤشرات قابلة للقياس والتحسين.
من الأمن السيبراني إلى السيادة الرقمية
الهدف النهائي لا ينبغي أن يكون فقط منع الاختراق.
الهدف الأكبر هو بناء سيادة رقمية عراقية.
وهذا يعني أن يمتلك العراق القدرة على إدارة وحماية أصوله الرقمية الاستراتيجية، وتطوير كوادره، وبناء بنيته التحتية، واتخاذ قراراته التقنية وفق مصالحه الوطنية.
ولا يعني ذلك الانفصال عن التكنولوجيا العالمية.
على العكس.
الدولة ذات السيادة الرقمية تستطيع التعاون مع العالم بصورة أقوى؛ لأنها تعرف ما الذي تمتلكه، وما الذي تحتاج إلى حمايته، وما الذي يمكن مشاركته، وما الذي يجب أن يبقى تحت سيطرتها.
الأمن السيبراني مسؤولية مشتركة
الحكومة وحدها لا تستطيع بناء الأمن السيبراني.
والقطاع الخاص وحده لا يستطيع.
والجامعات وحدها لا تستطيع.
والمواطن وحده لا يستطيع.
نحتاج إلى نموذج تشاركي يجمع:
الدولة، والقطاع الخاص، والجامعات، ومراكز البحث، والخبراء، ومنظمات المجتمع المدني، والمواطنين.
كل جهة تمتلك جزءاً من الحل.
العراق أمام فرصة وليس أمام أزمة فقط
عندما نتحدث عن نقاط الضعف، يجب ألا يتحول الخطاب إلى صورة سوداوية.
العراق يمتلك عدداً كبيراً من الشباب، واهتماماً متزايداً بالتكنولوجيا، وتوسعاً في الخدمات الرقمية، وكفاءات عراقية داخل البلاد وخارجها.
وهذه عناصر يمكن تحويلها إلى قوة.
لكن ذلك يتطلب الانتقال من المبادرات المنفصلة إلى برنامج وطني طويل الأمد لبناء القدرات الرقمية والسيبرانية.
ويمكن للعراق أن يختصر سنوات من التطور إذا استفاد من التجارب الدولية دون أن يكرر أخطاءها.
من حماية الأجهزة إلى حماية المستقبل
المعركة السيبرانية الحديثة ليست معركة أجهزة وبرامج فقط.
إنها معركة بيانات.
ومعركة اقتصاد.
ومعركة معرفة.
ومعركة ثقة.
ومعركة سيادة.
لهذا يجب أن نتوقف عن النظر إلى الأمن السيبراني باعتباره القسم الذي نتذكره بعد وقوع المشكلة.
يجب أن يصبح الأمن جزءاً من تصميم كل مشروع رقمي منذ اللحظة الأولى.
**Security by Design وليس Security after Design.**
فعندما نبني خدمة حكومية رقمية، يجب أن يكون الأمن داخل تصميمها.
وعندما ننشئ قاعدة بيانات، يجب أن نفكر منذ البداية في تصنيفها وتشفيرها وصلاحيات الوصول إليها.
وعندما نستخدم الذكاء الاصطناعي، يجب أن نسأل عن أمن البيانات والخصوصية والحوكمة.
وعندما نبني مركز بيانات، يجب أن نفكر في استمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث.
الخلاصة
العراق ليس في نقطة الصفر في الأمن السيبراني.
هناك مؤسسات وجهود ووعي يتطور، وهذه قاعدة يمكن البناء عليها.
لكن الطريق إلى مستوى الدول المتقدمة يتطلب الانتقال من المبادرات إلى المنظومة، ومن رد الفعل إلى الاستباق، ومن شراء التكنولوجيا إلى بناء القدرة، ومن حماية الأنظمة إلى حماية الدولة الرقمية.
ويجب أن يكون هدف العراق في السنوات المقبلة أكبر من تحسين ترتيبه في مؤشر دولي.
الهدف الحقيقي هو أن يستطيع المواطن استخدام الخدمات الرقمية بثقة، وأن تستطيع المؤسسات حماية بياناتها، وأن يستطيع الاقتصاد النمو رقمياً، وأن تمتلك الدولة القدرة على حماية أصولها الرقمية الاستراتيجية.
عندها يصبح الأمن السيبراني ليس مجرد قطاع تقني، بل جزءاً من مشروع بناء العراق الحديث.
فالدولة التي تريد أن تكون رقمية، يجب أولاً أن تكون قادرة على حماية فضائها الرقمي.
المهندسة سجى البياتي
مستشارة في الأمن السيبراني والتحول الرقمي
نحن أمام مفهوم أوسع بكثير.
فكلما تحولت الدولة إلى الخدمات الإلكترونية، واعتمدت المؤسسات على قواعد البيانات والمنصات الرقمية، وانتشرت تطبيقات الدفع الإلكتروني والخدمات المصرفية والاتصالات والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، أصبحت حماية الفضاء الرقمي جزءاً من حماية الدولة نفسها.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه في العراق ليس فقط:
كيف نحمي أنظمتنا من الاختراق؟
بل:
كيف نبني دولة رقمية قادرة على حماية بياناتها، ومؤسساتها، واقتصادها، ومواطنيها، وبنيتها التحتية، وسيادتها الرقمية؟
هذه النقلة في طريقة التفكير هي، من وجهة نظري، نقطة البداية الحقيقية لبناء أمن سيبراني وطني قادر على مواكبة التحولات العالمية.
أولاً: ما الأمن السيبراني ولماذا أصبح قضية دولة؟
الأمن السيبراني هو منظومة متكاملة من السياسات والتقنيات والإجراءات والكوادر والتشريعات التي تهدف إلى حماية الأنظمة والشبكات والبيانات والخدمات الرقمية من الاختراق أو التخريب أو السرقة أو التعطيل أو الاستخدام غير المشروع.
لكن المفهوم على مستوى الدولة يتجاوز ذلك.
فعندما تصبح خدمات الدولة رقمية، تتحول البيانات الحكومية إلى أصول وطنية ذات قيمة استراتيجية.
قواعد بيانات المواطنين أصول.
الأنظمة المالية والمصرفية أصول.
شبكات الاتصالات أصول.
أنظمة الوزارات والمؤسسات أصول.
البنية التحتية للطاقة والنقل والخدمات أصول.
والمنصات التي تقدم الخدمات الحكومية للمواطنين أصبحت جزءاً من البنية الأساسية للدولة الحديثة.
لذلك فإن الأمن السيبراني ليس عائقاً أمام التحول الرقمي، بل أحد شروط نجاحه.
لا يمكن بناء دولة رقمية حقيقية من دون بناء دولة آمنة رقمياً.
أين يقف العراق اليوم؟
من الخطأ القول إن العراق لم يبدأ في مجال الأمن السيبراني، كما أنه من الخطأ القول إننا وصلنا إلى المستوى الذي نطمح إليه.
العراق بدأ فعلياً ببناء مؤسسات وقدرات ومبادرات في هذا المجال، ومن أبرز التطورات وجود المركز الوطني للأمن السيبراني، الذي يضع ضمن أهدافه حماية البنية التحتية والمؤسسات الحكومية، وتطوير القدرات الوطنية، ونشر الوعي والثقافة السيبرانية، وبناء الشراكات المحلية والدولية.
لكن المؤشرات الدولية تعطينا صورة أكثر وضوحاً عن حجم المسافة التي ما زلنا بحاجة إلى قطعها.
ففي الإصدار الخامس من مؤشر الأمن السيبراني العالمي GCI 2024 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، جاء العراق ضمن فئة **Tier 4 – Evolving**، أي الدول التي تمتلك جهوداً في مجال الأمن السيبراني ولكن منظومتها ما تزال في مرحلة التطور.
ويقيس المؤشر التزام الدول عبر خمسة محاور أساسية:
التدابير القانونية، والتدابير التقنية، والتدابير التنظيمية، وتنمية القدرات، والتعاون.
وبالتالي فإن تحسين موقع العراق لا يتحقق بشراء تقنيات أمنية فقط، وإنما من خلال بناء منظومة متكاملة تغطي هذه المحاور جميعاً.
ماذا أنجز العراق؟
من المهم عند تقييم الواقع العراقي ألا ننظر فقط إلى نقاط الضعف.
هناك تحول واضح في مستوى الاهتمام الرسمي بالأمن السيبراني مقارنة بالسنوات السابقة.
وجود جهة وطنية متخصصة يمثل خطوة مؤسساتية مهمة.
كما بدأ مفهوم الأمن السيبراني ينتقل تدريجياً من كونه موضوعاً تقنياً محدوداً إلى قضية مرتبطة بالأمن الوطني والتحول الرقمي.
وأصبح هناك اهتمام أكبر بتقييم الأنظمة والشبكات، واكتشاف الثغرات، وإدارة المخاطر، وبناء القدرات البشرية، والتوعية، والتعاون مع المؤسسات المختلفة.
ويعلن المركز الوطني للأمن السيبراني أن رسالته تشمل حماية الفضاء السيبراني الوطني، وتطوير القدرات، وتعزيز الوعي والثقافة السيبرانية، وتقديم الخدمات المتخصصة للقطاعين العام والخاص.
هذه خطوات إيجابية يجب البناء عليها.
لكن الانتقال من وجود المبادرات إلى بناء منظومة وطنية ناضجة يحتاج إلى مرحلة جديدة من العمل.
التحدي الأول: الانتقال من الأمن السيبراني كرد فعل إلى الأمن السيبراني الاستباقي
أحد أهم التحولات المطلوبة هو تغيير فلسفة التعامل مع الأمن.
في النموذج التقليدي، تقع المشكلة ثم تبدأ المؤسسة بالبحث عن حل.
أما النموذج الحديث فيقوم على:
التوقع، الوقاية، الاكتشاف، الاستجابة، التعافي والتعلم من الحوادث.
أي أن المؤسسة يجب أن تفترض منذ البداية أن التهديد موجود وأن الاختراق ممكن.
ولهذا يجب ألا يكون السؤال:
هل سنتعرض لهجوم؟
بل:
متى يمكن أن نتعرض له؟ وهل نحن مستعدون عندما يحدث؟
وهنا تظهر أهمية خطط الاستجابة للحوادث، وإدارة المخاطر، والنسخ الاحتياطية، وخطط استمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث، والمراقبة المستمرة، واختبارات الجاهزية.
التحدي الثاني: حماية البنية التحتية الحيوية
أخطر الهجمات السيبرانية ليست بالضرورة تلك التي تستهدف حساباً شخصياً.
الخطر الأكبر على مستوى الدولة هو استهداف البنية التحتية الحيوية.
وهذا يشمل قطاعات مثل:
الطاقة والكهرباء، النفط والغاز، المصارف، الاتصالات، النقل، المؤسسات الصحية، أنظمة الدولة، المياه والخدمات الأساسية، والمنظومات المالية.
تعطل خدمة رقمية بسيطة قد يسبب إزعاجاً.
لكن تعطل بنية تحتية حيوية قد يتحول إلى مشكلة اقتصادية أو خدمية أو أمنية.
ولهذا يجب تحديد ما يسمى **Critical Infrastructure** على المستوى الوطني، وتصنيف الأنظمة حسب حساسيتها، ووضع معايير أمنية إلزامية تتناسب مع مستوى الخطورة.
التحدي الثالث: البيانات والسيادة الرقمية
من أكثر الملفات التي أرى أنها ستصبح حاسمة للعراق خلال السنوات المقبلة قضية السيادة الرقمية.
أين توجد البيانات العراقية؟
من يديرها؟
من يمتلك صلاحية الوصول إليها؟
ما مستوى تشفيرها؟
أين توجد النسخ الاحتياطية؟
ما القوانين التي تخضع لها عندما تستضاف خارج البلاد؟
وماذا يحدث إذا أصبحت الدولة تعتمد بشكل كامل على بنية تحتية أو تقنيات خارجية في خدمات استراتيجية؟
لا يعني مفهوم السيادة الرقمية الانغلاق عن العالم أو رفض الخدمات العالمية.
بل يعني أن تعرف الدولة أين توجد أصولها الرقمية الحساسة، ومن يتحكم بها، وأن تمتلك القدرة القانونية والتقنية والمؤسساتية على حمايتها وإدارتها.
وهنا تصبح مراكز البيانات الوطنية، وسياسات تصنيف البيانات، والتشفير، وإدارة الهوية الرقمية والصلاحيات، والحوسبة السحابية الآمنة عناصر مرتبطة بالأمن الوطني وليست مجرد مشاريع تقنية.
التحدي الرابع: العنصر البشري
يمكن للدولة أن تشتري أحدث الأجهزة والبرامج، لكنها لا تستطيع شراء ثقافة أمنية جاهزة.
الإنسان ما يزال عنصراً أساسياً في المعادلة.
موظف يستخدم كلمة مرور ضعيفة.
شخص يفتح رابطاً مزيفاً.
موظف يشارك معلومات حساسة بطريقة غير آمنة.
مسؤول يمنح صلاحيات أكبر مما يحتاجه المستخدم.
كل ذلك يمكن أن يحول استثماراً تقنياً كبيراً إلى منظومة معرضة للخطر.
ولهذا فإن التدريب لا يجب أن يقتصر على متخصصي الأمن السيبراني.
نحتاج إلى مستويات مختلفة من التدريب تبدأ من الموظف العادي، مروراً بمديري الأنظمة والمبرمجين، وصولاً إلى القيادات وصناع القرار.
التحدي الخامس: الوعي الرقمي للمجتمع
الأمن السيبراني الوطني لا يبدأ من المؤسسات الحكومية فقط.
المواطن جزء من المنظومة.
الاحتيال الإلكتروني، وانتحال الهوية، والحسابات المزيفة، وسرقة الحسابات، والتصيد الإلكتروني، والتزييف العميق، والابتزاز الإلكتروني، وتسريب المعلومات الشخصية كلها تهديدات أصبحت تمس المجتمع بصورة مباشرة.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي أصبحت صناعة الصور والأصوات ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة وإقناعاً.
وهذا يجعل **محو الأمية الرقمية** جزءاً أساسياً من الأمن السيبراني.
المواطن الواعي رقمياً يمثل خط دفاع.
والمجتمع الذي لا يمتلك وعياً رقمياً كافياً يصبح أكثر عرضة للتضليل والاحتيال والاستغلال.
التحدي السادس: التشريعات
التكنولوجيا تتغير بسرعة كبيرة، ولذلك يجب أن تكون البيئة القانونية قادرة على مواكبة التحول.
نحتاج إلى منظومة تشريعية واضحة ومتكاملة تتعامل مع حماية البيانات والخصوصية، والجرائم الإلكترونية، والمسؤوليات المؤسسية، والإبلاغ عن الحوادث، والأدلة الرقمية، والتعامل مع البيانات الحساسة، والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة.
كما يجب تحقيق توازن مهم جداً:
حماية الأمن من جهة، وحماية حقوق المواطن وخصوصيته من جهة أخرى.
فالأمن السيبراني الحقيقي لا يعني توسيع الرقابة بلا ضوابط، وإنما بناء فضاء رقمي آمن تحكمه قواعد قانونية واضحة.
التحدي السابع: نقص الكفاءات المتخصصة
الأمن السيبراني مجال واسع جداً.
الدولة لا تحتاج فقط إلى أشخاص يعرفون أساسيات الحماية.
نحتاج إلى متخصصين في:
أمن الشبكات، أمن التطبيقات، أمن الحوسبة السحابية، التحليل الجنائي الرقمي، الاستجابة للحوادث، استخبارات التهديدات، إدارة المخاطر، الحوكمة والامتثال، اختبار الاختراق، أمن الأنظمة الصناعية، أمن الذكاء الاصطناعي، وإدارة الهوية والوصول.
وهنا يجب أن تتحول الجامعات العراقية من تدريس المعرفة النظرية فقط إلى بناء قدرات عملية مرتبطة باحتياجات الدولة والسوق.
التحدي الثامن: الفجوة بين شراء التكنولوجيا وبناء القدرة الوطنية
هناك فرق كبير بين أن تمتلك الدولة تكنولوجيا وبين أن تمتلك قدرة رقمية وطنية.
يمكن شراء نظام متطور.
لكن من سيشغله؟
من سيطوره؟
من سيدققه؟
من سيتعامل معه عند حدوث مشكلة؟
ومن يضمن ألا تصبح الدولة مرتبطة بمزود واحد بصورة دائمة؟
لذلك يجب أن يكون هدف العراق ليس استيراد الحلول فقط، وإنما نقل المعرفة وبناء الخبرة المحلية وتطوير الصناعة التقنية العراقية.
الجوانب الإيجابية للتحول الرقمي والأمن السيبراني
عندما نبني منظومة أمن سيبراني قوية، فإن الفائدة لا تقتصر على منع الاختراقات.
الأمن السيبراني يعزز ثقة المواطن بالخدمات الحكومية الرقمية.
ويساعد المؤسسات على تقديم خدمات إلكترونية أكبر.
ويدعم المصارف والدفع الإلكتروني والتجارة الإلكترونية.
ويشجع الشركات والمستثمرين على الدخول إلى الاقتصاد الرقمي.
ويساعد في حماية الملكية الفكرية.
ويسهم في خلق وظائف جديدة.
كما يسمح للعراق بالتوسع في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء والمدن الذكية بصورة أكثر أماناً.
ولهذا فإن الإنفاق المدروس على الأمن السيبراني ليس مجرد تكلفة.
إنه استثمار في الاقتصاد الرقمي.
لكن للأمن السيبراني جانب اقتصادي أيضاً
العالم يتجه إلى اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على البيانات والمنصات والخدمات الرقمية.
وكلما ازداد اعتماد الاقتصاد على التكنولوجيا، أصبحت الثقة الرقمية عاملاً اقتصادياً.
الشركة لن تستثمر بسهولة في بيئة رقمية لا تثق بحماية بياناتها فيها.
والمواطن لن يعتمد بالكامل على الخدمات الإلكترونية إذا كان يخشى فقدان أمواله أو معلوماته.
ولهذا فإن الأمن السيبراني أصبح جزءاً من بيئة الاستثمار.
ومن هنا يمكن للعراق أن ينظر إلى هذا القطاع أيضاً باعتباره فرصة اقتصادية.
الشركات العراقية المتخصصة بالأمن السيبراني، ومراكز العمليات الأمنية، وخدمات الحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، وتطوير البرمجيات، والاستشارات والتدريب يمكن أن تتحول إلى صناعة حقيقية توفر فرص عمل وتقلل الاعتماد الكامل على الحلول المستوردة.
-ماذا تفعل الدول المتقدمة بصورة مختلفة؟
الدول المتقدمة سيبرانياً لا تعتمد على برنامج أو مؤسسة واحدة.
هي تبني **Cybersecurity Ecosystem**، أي منظومة وطنية مترابطة.
توجد استراتيجية.
وتوجد جهة واضحة للقيادة والتنسيق.
وتوجد تشريعات.
وتوجد معايير إلزامية.
وتوجد فرق للاستجابة للحوادث.
وتوجد مراكز عمليات أمنية.
وتوجد برامج لتطوير الكفاءات.
وتوجد شراكة مع الجامعات والقطاع الخاص.
وتوجد آليات للتعاون الدولي وتبادل المعلومات.
كما توجد مراجعة مستمرة للجاهزية.
وهذه النقطة مهمة جداً للعراق:
الأمن السيبراني ليس مشروعاً له تاريخ انتهاء، وإنما عملية مستمرة.
ماذا يحتاج العراق للوصول إلى مستوى الدول المتقدمة؟
من وجهة نظري، يحتاج العراق خلال المرحلة المقبلة إلى بناء خارطة طريق وطنية واضحة تقوم على مجموعة محاور مترابطة.
أولاً، تطوير إطار وطني موحد للجاهزية السيبرانية يمكن تطبيقه على المؤسسات الحكومية والقطاعات الحيوية.
ثانياً، إجراء تقييم دوري لنضج المؤسسات بدلاً من الاكتفاء بفحص تقني لمرة واحدة.
ثالثاً، تحديد وتصنيف البنى التحتية الحيوية ووضع متطلبات أمنية واضحة لكل قطاع.
رابعاً، تطوير قدرات الاستجابة للحوادث وربط الجهات ذات العلاقة ضمن آلية وطنية للتنسيق.
خامساً، إنشاء وتعزيز مراكز عمليات أمنية SOC قادرة على المراقبة والتحليل والاستجابة.
سادساً، تطبيق مبادئ **Zero Trust** بصورة تدريجية، بحيث لا تُمنح الثقة للمستخدم أو الجهاز بصورة تلقائية.
سابعاً، التوسع في استخدام المصادقة متعددة العوامل وإدارة الهوية والصلاحيات.
ثامناً، بناء سياسة وطنية واضحة لتصنيف البيانات وحمايتها.
تاسعاً، تطوير سياسات متقدمة للنسخ الاحتياطي والتعافي من الكوارث واستمرارية الأعمال.
عاشراً، بناء برامج وطنية لتطوير الكفاءات والشهادات المهنية والتدريب العملي.
الحادي عشر، تعزيز التعاون بين الحكومة والجامعات والقطاع الخاص.
الثاني عشر، دعم الشركات العراقية المتخصصة بالتكنولوجيا والأمن السيبراني.
الثالث عشر، اعتماد المعايير والأطر الدولية مثل **NIST Cybersecurity Framework** ومعايير **ISO/IEC 27001** مع تكييفها بما يتناسب مع البيئة العراقية.
الرابع عشر، تطوير منظومة وطنية للتوعية الرقمية تبدأ من المدارس والجامعات ولا تنتهي عند المؤسسات الحكومية.
الذكاء الاصطناعي سيغير معادلة الأمن السيبراني
لا يمكن الحديث عن مستقبل الأمن السيبراني في العراق من دون الحديث عن الذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي يمثل فرصة وتهديداً في الوقت نفسه.
يمكن استخدامه لتحليل كميات ضخمة من البيانات، واكتشاف الأنماط غير الطبيعية، وتسريع اكتشاف التهديدات ومساعدة فرق الأمن في تحليل الحوادث.
وفي المقابل، يمكن إساءة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير أساليب الاحتيال والتصيد والهندسة الاجتماعية والتزييف العميق بصورة أكثر إقناعاً.
لذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب أن نبني أمناً سيبرانياً للذكاء الاصطناعي، وأن نستخدم الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني في الوقت نفسه.
رؤية المهندسة سجى البياتي
أرى أن العراق يمتلك فرصة حقيقية للانتقال من مرحلة التعامل مع الأمن السيبراني كحاجة تقنية إلى اعتباره ركناً من أركان الدولة الرقمية.
ولا أعتقد أن الحل يكمن في استنساخ تجربة دولة أخرى بصورة كاملة.
العراق يحتاج إلى نموذج يناسب واقعه المؤسسي والاقتصادي والتقني.
رؤيتي تقوم على بناء منظومة عراقية ذكية ومتكاملة للجاهزية السيبرانية والسيادة الرقمية، تربط بين التكنولوجيا والإنسان والمؤسسات والتشريعات والاقتصاد.
هذه المنظومة يجب ألا تقيس فقط عدد الأنظمة الأمنية الموجودة داخل المؤسسة، وإنما تقيس قدرتها الحقيقية على الصمود.
هل تعرف المؤسسة أصولها الرقمية؟
هل تعرف مخاطرها؟
هل تعرف من يمتلك صلاحية الوصول إلى البيانات؟
هل تستطيع اكتشاف الهجوم؟
كم تحتاج من الوقت للاستجابة؟
هل تستطيع الاستمرار في تقديم خدماتها أثناء الأزمة؟
هل تستطيع استعادة أنظمتها؟
هل كوادرها مؤهلة؟
وهل تتعلم من الحوادث السابقة؟
هذه الأسئلة هي التي تحدد الجاهزية الحقيقية.
وأرى أيضاً ضرورة بناء مؤشر وطني للجاهزية السيبرانية يسمح بتقييم المؤسسات والقطاعات بصورة دورية، وتحويل الأمن السيبراني من مفهوم عام إلى أرقام ومؤشرات قابلة للقياس والتحسين.
من الأمن السيبراني إلى السيادة الرقمية
الهدف النهائي لا ينبغي أن يكون فقط منع الاختراق.
الهدف الأكبر هو بناء سيادة رقمية عراقية.
وهذا يعني أن يمتلك العراق القدرة على إدارة وحماية أصوله الرقمية الاستراتيجية، وتطوير كوادره، وبناء بنيته التحتية، واتخاذ قراراته التقنية وفق مصالحه الوطنية.
ولا يعني ذلك الانفصال عن التكنولوجيا العالمية.
على العكس.
الدولة ذات السيادة الرقمية تستطيع التعاون مع العالم بصورة أقوى؛ لأنها تعرف ما الذي تمتلكه، وما الذي تحتاج إلى حمايته، وما الذي يمكن مشاركته، وما الذي يجب أن يبقى تحت سيطرتها.
الأمن السيبراني مسؤولية مشتركة
الحكومة وحدها لا تستطيع بناء الأمن السيبراني.
والقطاع الخاص وحده لا يستطيع.
والجامعات وحدها لا تستطيع.
والمواطن وحده لا يستطيع.
نحتاج إلى نموذج تشاركي يجمع:
الدولة، والقطاع الخاص، والجامعات، ومراكز البحث، والخبراء، ومنظمات المجتمع المدني، والمواطنين.
كل جهة تمتلك جزءاً من الحل.
العراق أمام فرصة وليس أمام أزمة فقط
عندما نتحدث عن نقاط الضعف، يجب ألا يتحول الخطاب إلى صورة سوداوية.
العراق يمتلك عدداً كبيراً من الشباب، واهتماماً متزايداً بالتكنولوجيا، وتوسعاً في الخدمات الرقمية، وكفاءات عراقية داخل البلاد وخارجها.
وهذه عناصر يمكن تحويلها إلى قوة.
لكن ذلك يتطلب الانتقال من المبادرات المنفصلة إلى برنامج وطني طويل الأمد لبناء القدرات الرقمية والسيبرانية.
ويمكن للعراق أن يختصر سنوات من التطور إذا استفاد من التجارب الدولية دون أن يكرر أخطاءها.
من حماية الأجهزة إلى حماية المستقبل
المعركة السيبرانية الحديثة ليست معركة أجهزة وبرامج فقط.
إنها معركة بيانات.
ومعركة اقتصاد.
ومعركة معرفة.
ومعركة ثقة.
ومعركة سيادة.
لهذا يجب أن نتوقف عن النظر إلى الأمن السيبراني باعتباره القسم الذي نتذكره بعد وقوع المشكلة.
يجب أن يصبح الأمن جزءاً من تصميم كل مشروع رقمي منذ اللحظة الأولى.
**Security by Design وليس Security after Design.**
فعندما نبني خدمة حكومية رقمية، يجب أن يكون الأمن داخل تصميمها.
وعندما ننشئ قاعدة بيانات، يجب أن نفكر منذ البداية في تصنيفها وتشفيرها وصلاحيات الوصول إليها.
وعندما نستخدم الذكاء الاصطناعي، يجب أن نسأل عن أمن البيانات والخصوصية والحوكمة.
وعندما نبني مركز بيانات، يجب أن نفكر في استمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث.
الخلاصة
العراق ليس في نقطة الصفر في الأمن السيبراني.
هناك مؤسسات وجهود ووعي يتطور، وهذه قاعدة يمكن البناء عليها.
لكن الطريق إلى مستوى الدول المتقدمة يتطلب الانتقال من المبادرات إلى المنظومة، ومن رد الفعل إلى الاستباق، ومن شراء التكنولوجيا إلى بناء القدرة، ومن حماية الأنظمة إلى حماية الدولة الرقمية.
ويجب أن يكون هدف العراق في السنوات المقبلة أكبر من تحسين ترتيبه في مؤشر دولي.
الهدف الحقيقي هو أن يستطيع المواطن استخدام الخدمات الرقمية بثقة، وأن تستطيع المؤسسات حماية بياناتها، وأن يستطيع الاقتصاد النمو رقمياً، وأن تمتلك الدولة القدرة على حماية أصولها الرقمية الاستراتيجية.
عندها يصبح الأمن السيبراني ليس مجرد قطاع تقني، بل جزءاً من مشروع بناء العراق الحديث.
فالدولة التي تريد أن تكون رقمية، يجب أولاً أن تكون قادرة على حماية فضائها الرقمي.
المهندسة سجى البياتي
مستشارة في الأمن السيبراني والتحول الرقمي