لم تعد سيادة الدول في العصر الرقمي ترتبط فقط بحدودها الجغرافية ومواردها الطبيعية ومؤسساتها التقليدية، بل ظهر بُعد جديد لا يقل أهمية عن تلك العناصر: السيادة الرقمية.
فمع انتقال الخدمات الحكومية والمصرفية والتعليمية والصحية والتجارية إلى البيئة الرقمية، أصبحت كميات هائلة من البيانات تُنتج يوميًا. بيانات المواطنين، والسجلات الحكومية، والمعاملات المالية، والوثائق، والأنظمة المؤسسية، وحتى البيانات الناتجة عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبحت تمثل أصلًا استراتيجيًا للدولة.
ومن هنا يظهر سؤال ينبغي أن يكون جزءًا من أي مشروع جاد للتحول الرقمي في العراق:
أين تُخزَّن بياناتنا؟ ومن يعالجها؟ ومن يستطيع الوصول إليها؟ وتحت أي تشريعات وسلطة قضائية تقع؟
هذه الأسئلة ليست تقنية فقط، وإنما ترتبط بالأمن الوطني والاقتصاد والخصوصية واستمرارية الخدمات وقدرة الدولة على اتخاذ قراراتها الرقمية باستقلالية.
ما المقصود بالسيادة الرقمية؟
السيادة الرقمية لا تعني عزل العراق عن الإنترنت العالمي، ولا تعني رفض الخدمات والتقنيات الأجنبية.
المفهوم أوسع من ذلك.
السيادة الرقمية هي قدرة الدولة ومؤسساتها ومجتمعها على إدارة بياناتها وبنيتها الرقمية وتقنياتها الحيوية وفق مصالحها وقوانينها وقراراتها الوطنية، مع الاحتفاظ بالقدرة على الاستفادة من التكنولوجيا العالمية.
وتشمل هذه السيادة عدة مستويات مترابطة:
سيادة البيانات: معرفة أين توجد البيانات، وكيف تُخزَّن وتعالج، ومن يمتلك صلاحية الوصول إليها.
سيادة البنية التحتية: امتلاك أو ضمان السيطرة الفعلية على أجزاء حيوية من مراكز البيانات والشبكات والمنصات والبنية السحابية.
السيادة التقنية: تقليل الاعتماد الكامل على مورد أو منصة أو تقنية واحدة بطريقة تجعل الانتقال منها مستحيلًا أو مكلفًا جدًا.
السيادة القانونية: وجود قوانين واضحة تحدد حقوق الأفراد والمؤسسات والتزامات الجهات التي تجمع البيانات وتعالجها.
السيادة السيبرانية: القدرة على حماية الفضاء الرقمي الوطني والاستجابة للهجمات والحوادث.
ولهذا فإن المركز الوطني للأمن السيبراني العراقي يربط في رؤيته بين الفضاء السيبراني الآمن والسيادة الرقمية والثقة بالخدمات الحكومية والاقتصاد الرقمي.
لماذا أصبحت البيانات قضية سيادية؟
في الماضي كانت إحدى أهم ممتلكات المؤسسة هي المبنى والأرشيف الورقي والأجهزة.
أما اليوم، فقد تكون قاعدة البيانات أهم من معظم الموجودات المادية للمؤسسة.
تخيلوا حجم البيانات التي تنتجها دولة كاملة من:
السجلات المدنية، والبيانات الصحية، والمعلومات التعليمية، والضرائب، والمدفوعات الإلكترونية، والمعلومات المصرفية، والخرائط، والمشاريع، والطاقة، والاتصالات، والمنافذ الحدودية، وأنظمة النقل والخدمات الحكومية.
عندما تصبح هذه الأنظمة رقمية، فإن حمايتها لا تتعلق بمنع سرقة ملف واحد فقط، بل بحماية قدرة الدولة نفسها على تقديم خدماتها والاستمرار في العمل.
لهذا السبب أصبحت البيانات جزءًا من مفهوم البنية التحتية الوطنية الحديثة.
أين يقف العراق اليوم؟
هناك مؤشرات إيجابية، لكن الطريق ما زال يحتاج إلى عمل كبير.
وفق بيانات Internet Society المحدثة لعام 2026، يبلغ استخدام الإنترنت في العراق نحو 81% من السكان، بينما يبلغ مؤشر مرونة الإنترنت نحو 49 من 100. كما ترصد المنظمة 3 مراكز بيانات نشطة ونقطة تبادل إنترنت نشطة واحدة (IXP)، فيما تبلغ نسبة تبني IPv6 نحو 2% مقارنة بمتوسط آسيوي يبلغ 41%.
هذه الأرقام لا تعني أن العراق لا يمتلك بنية رقمية؛ بل تعني أن هناك مساحة كبيرة جدًا لتطوير البنية المحلية وقدرتها ومرونتها.
وتشير بيانات Internet Society كذلك إلى أن نحو 60% من أكثر ألف موقع استخدامًا في العراق يمكن الوصول إلى محتواها عبر خادم أو Cache داخل البلاد، وأن 40% من الشبكات النشطة يمكنها تبادل الحركة عبر أعضاء نقطة التبادل المحلية.
هذه تفاصيل تقنية، لكنها في الواقع اقتصادية وسيادية أيضًا.
كلما تطورت البنية المحلية، أصبح بالإمكان تحسين الكفاءة وتقليل بعض أشكال الاعتماد على المسارات الدولية وتعزيز مرونة الخدمات.
مراكز البيانات ليست مجرد مبانٍ مليئة بالخوادم
أحد الأخطاء الشائعة هو النظر إلى Data Center باعتباره مجموعة خوادم داخل مبنى بارد.
مركز البيانات الحديث هو جزء من البنية الاقتصادية للدولة.
فهو يحتاج إلى طاقة مستقرة، واتصال عالي السعة، وتبريد، وحماية مادية، وأمن سيبراني، وأنظمة نسخ احتياطي واستمرارية أعمال وتعافٍ من الكوارث، إضافة إلى فرق بشرية متخصصة.
وفي نيسان 2026، أعلنت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية المصادقة على لائحة تنظيم خدمات مراكز البيانات في العراق، ضمن توجه لدعم البنية التحتية الرقمية وتنظيم هذا القطاع.
وهذه خطوة مهمة، لأن بناء قطاع مراكز بيانات وطني لا يخدم الحكومة فقط؛ بل يمكن أن يتحول إلى قطاع استثماري كامل يخدم المصارف والشركات والجامعات والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية.
هل تخزين كل البيانات داخل العراق هو الحل؟
ليس بالضرورة.
وهذه نقطة مهمة جدًا في مفهوم السيادة الرقمية.
السيادة الرقمية لا تعني ببساطة أن كل Server يجب أن يكون داخل الحدود العراقية.
قد يكون نظام مستضافًا محليًا لكنه يعتمد بالكامل على تقنيات لا يمكن للمؤسسة التحكم بها، أو تكون إدارته الأمنية ضعيفة.
وفي المقابل، قد تستخدم مؤسسة خدمة سحابية عالمية وفق عقود وضوابط وتشفير وسياسات وصول قوية تحقق مستوى عاليًا من الحماية والاستمرارية.
لذلك السؤال الصحيح ليس:
داخل العراق أم خارجه؟
وإنما:
ما نوع البيانات؟ وما درجة حساسيتها؟ وأين يجوز تخزينها؟ ومن يمتلك مفاتيح التشفير؟ وما القانون الذي يخضع له مزود الخدمة؟ وكيف نستعيد البيانات أو ننقلها عند انتهاء العلاقة معه؟
ومن هنا يمكن للعراق تبني نموذج Hybrid Cloud مدروس، يجمع بين البنية الوطنية والخدمات السحابية عندما تكون مناسبة، بدل الاختيار بين نموذجين بصورة مطلقة.
تصنيف البيانات قبل الحديث عن السيادة
لا يمكن تطبيق سيادة بيانات حقيقية إذا كانت جميع البيانات تعامل بالطريقة نفسها.
العراق يحتاج إلى إطار واضح لتصنيف البيانات، مثل:
بيانات عامة يمكن نشرها واستخدامها بصورة مفتوحة.
بيانات داخلية خاصة بالمؤسسات ولا تحتاج إلى النشر العام.
بيانات حساسة تتطلب ضوابط أمنية أعلى.
بيانات شديدة الحساسية أو سيادية تتطلب أعلى درجات الحماية والتحكم والمراقبة.
عندها يمكن تحديد قواعد التخزين والمعالجة والمشاركة والاحتفاظ والحذف والنسخ الاحتياطي لكل مستوى.
السيادة تبدأ أولًا من معرفة ما نملك من بيانات.
البيانات الشخصية والتشريع
لا يمكن الحديث عن سيادة رقمية حقيقية من دون الحديث عن خصوصية المواطن.
التحول الرقمي يجعل جمع البيانات أسهل بكثير، لكن سهولة الجمع لا تعني أن كل البيانات يجب جمعها أو الاحتفاظ بها إلى الأبد.
وتشير دراسات قانونية عراقية منشورة في 2026 إلى استمرار الحاجة إلى إطار تشريعي عراقي متخصص وشامل لحماية البيانات الشخصية يتناسب مع توسع الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
وهذا يقود إلى مبادئ مهمة يجب أن تصبح جزءًا من تصميم الخدمات الرقمية:
جمع البيانات الضرورية فقط، تحديد سبب استخدامها، تحديد مدة الاحتفاظ بها، ضبط صلاحيات الوصول، تشفير البيانات الحساسة، تسجيل عمليات الوصول المهمة، ووجود آليات واضحة للاستجابة لتسرب البيانات أو إساءة استخدامها.
بمعنى آخر:
Privacy by Design وSecurity by Design يجب ألا يكونا إضافتين بعد بناء النظام، بل جزءًا منه منذ البداية.
الذكاء الاصطناعي يجعل السيادة الرقمية أكثر أهمية
هناك جانب جديد يجعل الموضوع أكثر إلحاحًا: الذكاء الاصطناعي.
أنظمة AI الحديثة لا تعتمد فقط على البرمجيات؛ بل تعتمد على البيانات والقدرة الحاسوبية والنماذج والخوادم والبنية السحابية.
وفي نيسان 2026 ناقشت وزارة التخطيط العراقية استراتيجية الذكاء الاصطناعي، ومن بين الملفات التي طُرحت إنشاء نموذج لغوي وطني سيادي (Iraq LLM)، إلى جانب بنية للذكاء الاصطناعي تشمل الخوادم المادية المحلية والخوادم السحابية.
هذه خطوة تستحق الاهتمام.
لأن امتلاك نموذج أو قدرة وطنية في الذكاء الاصطناعي لا يعني فقط إنشاء Chatbot عراقي.
الأمر يمكن أن يمتد إلى معالجة اللغة العربية واللهجات المحلية، تحليل البيانات الحكومية، تطوير الخدمات، دعم اتخاذ القرار، وبناء معرفة رقمية أكثر ارتباطًا بالبيئة العراقية.
لكن هذا يفتح سؤالًا جديدًا:
بأي بيانات سيتم تدريب هذه الأنظمة؟ ومن يملك البيانات والنموذج والمخرجات؟
وهنا تتقاطع سيادة البيانات مباشرة مع سيادة الذكاء الاصطناعي.
الأمن السيبراني هو خط الدفاع عن السيادة الرقمية
لا قيمة لسيادة رقمية بلا أمن سيبراني.
يمكن أن تمتلك الدولة مراكز بيانات محلية وأنظمة وطنية، لكن إذا كانت ضعيفة الحماية، فإن موقع الخادم الجغرافي لن يحل المشكلة.
السيادة الرقمية تحتاج إلى:
إدارة الهوية والصلاحيات، التشفير، المراقبة الأمنية، إدارة الثغرات، النسخ الاحتياطي، خطط الاستجابة للحوادث، التعافي من الكوارث، أمن سلسلة التوريد البرمجية، اختبارات دورية، ومراكز عمليات أمنية فعالة.
المركز الوطني للأمن السيبراني يضع حماية البنية التحتية الحيوية والبيانات الحساسة وبناء القدرات والجاهزية ضمن مهماته وأهدافه المعلنة.
وفي الوقت نفسه، يناقش مجلس النواب العراقي خلال 2026 تشريعات مرتبطة بجرائم تكنولوجيا المعلومات؛ وقد استمرت مناقشات المقترح في الأول من أيلول 2026، بما يشمل الجوانب القانونية والتقنية لمكافحة الجرائم المرتكبة باستخدام تقنيات المعلومات والاتصالات.
وهذا يوضح أن البنية الرقمية لا يمكن أن تتطور بمعزل عن الأمن والتشريع والحوكمة.
خطر الاعتماد الكامل على مزود واحد
هناك مفهوم مهم في السيادة الرقمية يسمى:
Vendor Lock-in
أي أن تبني مؤسسة نظامًا أو منصة بطريقة تجعل نقل البيانات أو الانتقال إلى مزود آخر لاحقًا صعبًا جدًا أو مكلفًا.
لهذا يجب أن تراعي العقود الحكومية والمؤسسية منذ البداية:
إمكانية تصدير البيانات، قابلية نقل الأنظمة، استخدام المعايير المفتوحة حيثما كان ذلك مناسبًا، وضوح ملكية البيانات، وآلية الخروج من الخدمة.
الدولة الرقمية القوية لا تحتاج إلى بناء كل تقنية بنفسها، لكنها تحتاج إلى أن لا تفقد القدرة على الاختيار.
السيادة الرقمية ليست أمنًا فقط… بل اقتصاد أيضًا
هذه النقطة ترتبط مباشرة بما طرحته في مقالي السابق «الاقتصاد الرقمي… مورد جديد للعراق».
إذا طور العراق مراكز البيانات، والخدمات السحابية، والأمن السيبراني، وصناعة البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، فإن الإنفاق الذي يذهب إلى شراء الخدمات التقنية يمكن أن يتحول جزء منه إلى استثمار داخل الاقتصاد العراقي.
وسينشأ معه طلب على:
مهندسي Cloud، خبراء الأمن السيبراني، مهندسي الشبكات، مطوري البرمجيات، مهندسي البيانات، مختصي الذكاء الاصطناعي، مديري مراكز البيانات، خبراء الخصوصية والامتثال، ومدققي الأنظمة الرقمية.
أي أن السيادة الرقمية تستطيع أن تجمع بين هدفين:
حماية المصالح الوطنية + بناء صناعة رقمية محلية.
ماذا يحتاج العراق عمليًا؟
برأيي، بناء سيادة رقمية حقيقية يحتاج إلى مسار متكامل، وليس مشروعًا واحدًا أو مركز بيانات واحدًا.
يبدأ ذلك بوضع استراتيجية وطنية لحوكمة البيانات تحدد الملكية والتصنيف والتخزين والمعالجة والمشاركة.
ثم تطوير إطار شامل لحماية البيانات الشخصية.
وبالتوازي، توسيع البنية الوطنية لمراكز البيانات والخدمات السحابية وفق معايير واضحة للأمن والاعتمادية.
كما يحتاج العراق إلى تعزيز البنية الأساسية للإنترنت، وتوسيع نقاط تبادل الحركة المحلية، وتسريع تبني تقنيات حديثة مثل IPv6، خصوصًا أن معدل تبنيه في العراق لا يزال منخفضًا بحسب بيانات Internet Society لعام 2026.
ويجب أن يصاحب ذلك اعتماد سياسات واضحة للـCloud الحكومي، وإدارة هوية رقمية آمنة، وتشفير البيانات الحساسة، وإنشاء خطط للاستجابة للحوادث والتعافي من الكوارث.
أما في مجال الذكاء الاصطناعي، فمن الضروري بناء حوكمة للبيانات والنماذج قبل التوسع الكبير في استخدامها.
والأهم من كل ذلك هو الإنسان.
لا توجد سيادة رقمية حقيقية من دون كوادر عراقية قادرة على تصميم هذه الأنظمة وتشغيلها وحمايتها وتدقيقها وتطويرها.
السيادة الرقمية لا تعني الانغلاق
من الضروري ألا يتحول مفهوم السيادة الرقمية إلى دعوة للانعزال التقني.
العراق يحتاج إلى الشركات العالمية، والتعاون الدولي، والاستثمارات، والحوسبة السحابية، ونقل المعرفة، والمعايير العالمية.
لكن الفرق بين التعاون والاعتماد الكامل كبير.
الهدف ليس أن نصنع كل شريحة إلكترونية وكل برنامج داخل العراق.
الهدف أن نعرف:
ما التقنيات التي يمكن شراؤها؟
ما البيانات التي يمكن استضافتها خارجيًا؟
ما الذي يجب أن يبقى تحت سيطرة وطنية أكبر؟
وما القدرات التي لا ينبغي للدولة أن تعتمد فيها بالكامل على الخارج؟
هذه هي السيادة الرقمية الواقعية.
من مستهلك للبيانات إلى دولة تدير أصولها الرقمية
العراق يمتلك فرصة مهمة.
فهو لا يبدأ من الصفر، وهناك تحرك فعلي في مجالات الأمن السيبراني ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وتنظيم البيئة الرقمية. لكن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من المشاريع الرقمية المنفصلة إلى رؤية وطنية مترابطة.
التحول الرقمي الناجح ليس عدد التطبيقات التي نطلقها، ولا عدد المعاملات التي نحولها من الورق إلى الشاشة.
النجاح الحقيقي هو أن نبني بيئة رقمية آمنة، مستقرة، قابلة للاستمرار، تحمي بيانات المواطن، وتمنح الدولة القدرة على إدارة مواردها الرقمية واتخاذ قراراتها التقنية بثقة.
فالبيانات التي ننتجها اليوم ستصبح جزءًا من القرارات والاقتصاد والذكاء الاصطناعي الذي سنعتمد عليه غدًا.
ولهذا، إذا كان الاقتصاد الرقمي موردًا جديدًا للعراق، فإن السيادة الرقمية هي أحد أهم الشروط لحماية هذا المورد وتعظيم قيمته.
السيادة في العصر الرقمي لا تعني أن نغلق أبوابنا أمام العالم؛ بل أن نتعامل مع العالم ونحن نمتلك القدرة على حماية بياناتنا، واختيار تقنياتنا، وإدارة مستقبلنا الرقمي.
المهندسة سجى البياتي
الأمن السيبراني والتحول الرقمي
فمع انتقال الخدمات الحكومية والمصرفية والتعليمية والصحية والتجارية إلى البيئة الرقمية، أصبحت كميات هائلة من البيانات تُنتج يوميًا. بيانات المواطنين، والسجلات الحكومية، والمعاملات المالية، والوثائق، والأنظمة المؤسسية، وحتى البيانات الناتجة عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أصبحت تمثل أصلًا استراتيجيًا للدولة.
ومن هنا يظهر سؤال ينبغي أن يكون جزءًا من أي مشروع جاد للتحول الرقمي في العراق:
أين تُخزَّن بياناتنا؟ ومن يعالجها؟ ومن يستطيع الوصول إليها؟ وتحت أي تشريعات وسلطة قضائية تقع؟
هذه الأسئلة ليست تقنية فقط، وإنما ترتبط بالأمن الوطني والاقتصاد والخصوصية واستمرارية الخدمات وقدرة الدولة على اتخاذ قراراتها الرقمية باستقلالية.
ما المقصود بالسيادة الرقمية؟
السيادة الرقمية لا تعني عزل العراق عن الإنترنت العالمي، ولا تعني رفض الخدمات والتقنيات الأجنبية.
المفهوم أوسع من ذلك.
السيادة الرقمية هي قدرة الدولة ومؤسساتها ومجتمعها على إدارة بياناتها وبنيتها الرقمية وتقنياتها الحيوية وفق مصالحها وقوانينها وقراراتها الوطنية، مع الاحتفاظ بالقدرة على الاستفادة من التكنولوجيا العالمية.
وتشمل هذه السيادة عدة مستويات مترابطة:
سيادة البيانات: معرفة أين توجد البيانات، وكيف تُخزَّن وتعالج، ومن يمتلك صلاحية الوصول إليها.
سيادة البنية التحتية: امتلاك أو ضمان السيطرة الفعلية على أجزاء حيوية من مراكز البيانات والشبكات والمنصات والبنية السحابية.
السيادة التقنية: تقليل الاعتماد الكامل على مورد أو منصة أو تقنية واحدة بطريقة تجعل الانتقال منها مستحيلًا أو مكلفًا جدًا.
السيادة القانونية: وجود قوانين واضحة تحدد حقوق الأفراد والمؤسسات والتزامات الجهات التي تجمع البيانات وتعالجها.
السيادة السيبرانية: القدرة على حماية الفضاء الرقمي الوطني والاستجابة للهجمات والحوادث.
ولهذا فإن المركز الوطني للأمن السيبراني العراقي يربط في رؤيته بين الفضاء السيبراني الآمن والسيادة الرقمية والثقة بالخدمات الحكومية والاقتصاد الرقمي.
لماذا أصبحت البيانات قضية سيادية؟
في الماضي كانت إحدى أهم ممتلكات المؤسسة هي المبنى والأرشيف الورقي والأجهزة.
أما اليوم، فقد تكون قاعدة البيانات أهم من معظم الموجودات المادية للمؤسسة.
تخيلوا حجم البيانات التي تنتجها دولة كاملة من:
السجلات المدنية، والبيانات الصحية، والمعلومات التعليمية، والضرائب، والمدفوعات الإلكترونية، والمعلومات المصرفية، والخرائط، والمشاريع، والطاقة، والاتصالات، والمنافذ الحدودية، وأنظمة النقل والخدمات الحكومية.
عندما تصبح هذه الأنظمة رقمية، فإن حمايتها لا تتعلق بمنع سرقة ملف واحد فقط، بل بحماية قدرة الدولة نفسها على تقديم خدماتها والاستمرار في العمل.
لهذا السبب أصبحت البيانات جزءًا من مفهوم البنية التحتية الوطنية الحديثة.
أين يقف العراق اليوم؟
هناك مؤشرات إيجابية، لكن الطريق ما زال يحتاج إلى عمل كبير.
وفق بيانات Internet Society المحدثة لعام 2026، يبلغ استخدام الإنترنت في العراق نحو 81% من السكان، بينما يبلغ مؤشر مرونة الإنترنت نحو 49 من 100. كما ترصد المنظمة 3 مراكز بيانات نشطة ونقطة تبادل إنترنت نشطة واحدة (IXP)، فيما تبلغ نسبة تبني IPv6 نحو 2% مقارنة بمتوسط آسيوي يبلغ 41%.
هذه الأرقام لا تعني أن العراق لا يمتلك بنية رقمية؛ بل تعني أن هناك مساحة كبيرة جدًا لتطوير البنية المحلية وقدرتها ومرونتها.
وتشير بيانات Internet Society كذلك إلى أن نحو 60% من أكثر ألف موقع استخدامًا في العراق يمكن الوصول إلى محتواها عبر خادم أو Cache داخل البلاد، وأن 40% من الشبكات النشطة يمكنها تبادل الحركة عبر أعضاء نقطة التبادل المحلية.
هذه تفاصيل تقنية، لكنها في الواقع اقتصادية وسيادية أيضًا.
كلما تطورت البنية المحلية، أصبح بالإمكان تحسين الكفاءة وتقليل بعض أشكال الاعتماد على المسارات الدولية وتعزيز مرونة الخدمات.
مراكز البيانات ليست مجرد مبانٍ مليئة بالخوادم
أحد الأخطاء الشائعة هو النظر إلى Data Center باعتباره مجموعة خوادم داخل مبنى بارد.
مركز البيانات الحديث هو جزء من البنية الاقتصادية للدولة.
فهو يحتاج إلى طاقة مستقرة، واتصال عالي السعة، وتبريد، وحماية مادية، وأمن سيبراني، وأنظمة نسخ احتياطي واستمرارية أعمال وتعافٍ من الكوارث، إضافة إلى فرق بشرية متخصصة.
وفي نيسان 2026، أعلنت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية المصادقة على لائحة تنظيم خدمات مراكز البيانات في العراق، ضمن توجه لدعم البنية التحتية الرقمية وتنظيم هذا القطاع.
وهذه خطوة مهمة، لأن بناء قطاع مراكز بيانات وطني لا يخدم الحكومة فقط؛ بل يمكن أن يتحول إلى قطاع استثماري كامل يخدم المصارف والشركات والجامعات والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية.
هل تخزين كل البيانات داخل العراق هو الحل؟
ليس بالضرورة.
وهذه نقطة مهمة جدًا في مفهوم السيادة الرقمية.
السيادة الرقمية لا تعني ببساطة أن كل Server يجب أن يكون داخل الحدود العراقية.
قد يكون نظام مستضافًا محليًا لكنه يعتمد بالكامل على تقنيات لا يمكن للمؤسسة التحكم بها، أو تكون إدارته الأمنية ضعيفة.
وفي المقابل، قد تستخدم مؤسسة خدمة سحابية عالمية وفق عقود وضوابط وتشفير وسياسات وصول قوية تحقق مستوى عاليًا من الحماية والاستمرارية.
لذلك السؤال الصحيح ليس:
داخل العراق أم خارجه؟
وإنما:
ما نوع البيانات؟ وما درجة حساسيتها؟ وأين يجوز تخزينها؟ ومن يمتلك مفاتيح التشفير؟ وما القانون الذي يخضع له مزود الخدمة؟ وكيف نستعيد البيانات أو ننقلها عند انتهاء العلاقة معه؟
ومن هنا يمكن للعراق تبني نموذج Hybrid Cloud مدروس، يجمع بين البنية الوطنية والخدمات السحابية عندما تكون مناسبة، بدل الاختيار بين نموذجين بصورة مطلقة.
تصنيف البيانات قبل الحديث عن السيادة
لا يمكن تطبيق سيادة بيانات حقيقية إذا كانت جميع البيانات تعامل بالطريقة نفسها.
العراق يحتاج إلى إطار واضح لتصنيف البيانات، مثل:
بيانات عامة يمكن نشرها واستخدامها بصورة مفتوحة.
بيانات داخلية خاصة بالمؤسسات ولا تحتاج إلى النشر العام.
بيانات حساسة تتطلب ضوابط أمنية أعلى.
بيانات شديدة الحساسية أو سيادية تتطلب أعلى درجات الحماية والتحكم والمراقبة.
عندها يمكن تحديد قواعد التخزين والمعالجة والمشاركة والاحتفاظ والحذف والنسخ الاحتياطي لكل مستوى.
السيادة تبدأ أولًا من معرفة ما نملك من بيانات.
البيانات الشخصية والتشريع
لا يمكن الحديث عن سيادة رقمية حقيقية من دون الحديث عن خصوصية المواطن.
التحول الرقمي يجعل جمع البيانات أسهل بكثير، لكن سهولة الجمع لا تعني أن كل البيانات يجب جمعها أو الاحتفاظ بها إلى الأبد.
وتشير دراسات قانونية عراقية منشورة في 2026 إلى استمرار الحاجة إلى إطار تشريعي عراقي متخصص وشامل لحماية البيانات الشخصية يتناسب مع توسع الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
وهذا يقود إلى مبادئ مهمة يجب أن تصبح جزءًا من تصميم الخدمات الرقمية:
جمع البيانات الضرورية فقط، تحديد سبب استخدامها، تحديد مدة الاحتفاظ بها، ضبط صلاحيات الوصول، تشفير البيانات الحساسة، تسجيل عمليات الوصول المهمة، ووجود آليات واضحة للاستجابة لتسرب البيانات أو إساءة استخدامها.
بمعنى آخر:
Privacy by Design وSecurity by Design يجب ألا يكونا إضافتين بعد بناء النظام، بل جزءًا منه منذ البداية.
الذكاء الاصطناعي يجعل السيادة الرقمية أكثر أهمية
هناك جانب جديد يجعل الموضوع أكثر إلحاحًا: الذكاء الاصطناعي.
أنظمة AI الحديثة لا تعتمد فقط على البرمجيات؛ بل تعتمد على البيانات والقدرة الحاسوبية والنماذج والخوادم والبنية السحابية.
وفي نيسان 2026 ناقشت وزارة التخطيط العراقية استراتيجية الذكاء الاصطناعي، ومن بين الملفات التي طُرحت إنشاء نموذج لغوي وطني سيادي (Iraq LLM)، إلى جانب بنية للذكاء الاصطناعي تشمل الخوادم المادية المحلية والخوادم السحابية.
هذه خطوة تستحق الاهتمام.
لأن امتلاك نموذج أو قدرة وطنية في الذكاء الاصطناعي لا يعني فقط إنشاء Chatbot عراقي.
الأمر يمكن أن يمتد إلى معالجة اللغة العربية واللهجات المحلية، تحليل البيانات الحكومية، تطوير الخدمات، دعم اتخاذ القرار، وبناء معرفة رقمية أكثر ارتباطًا بالبيئة العراقية.
لكن هذا يفتح سؤالًا جديدًا:
بأي بيانات سيتم تدريب هذه الأنظمة؟ ومن يملك البيانات والنموذج والمخرجات؟
وهنا تتقاطع سيادة البيانات مباشرة مع سيادة الذكاء الاصطناعي.
الأمن السيبراني هو خط الدفاع عن السيادة الرقمية
لا قيمة لسيادة رقمية بلا أمن سيبراني.
يمكن أن تمتلك الدولة مراكز بيانات محلية وأنظمة وطنية، لكن إذا كانت ضعيفة الحماية، فإن موقع الخادم الجغرافي لن يحل المشكلة.
السيادة الرقمية تحتاج إلى:
إدارة الهوية والصلاحيات، التشفير، المراقبة الأمنية، إدارة الثغرات، النسخ الاحتياطي، خطط الاستجابة للحوادث، التعافي من الكوارث، أمن سلسلة التوريد البرمجية، اختبارات دورية، ومراكز عمليات أمنية فعالة.
المركز الوطني للأمن السيبراني يضع حماية البنية التحتية الحيوية والبيانات الحساسة وبناء القدرات والجاهزية ضمن مهماته وأهدافه المعلنة.
وفي الوقت نفسه، يناقش مجلس النواب العراقي خلال 2026 تشريعات مرتبطة بجرائم تكنولوجيا المعلومات؛ وقد استمرت مناقشات المقترح في الأول من أيلول 2026، بما يشمل الجوانب القانونية والتقنية لمكافحة الجرائم المرتكبة باستخدام تقنيات المعلومات والاتصالات.
وهذا يوضح أن البنية الرقمية لا يمكن أن تتطور بمعزل عن الأمن والتشريع والحوكمة.
خطر الاعتماد الكامل على مزود واحد
هناك مفهوم مهم في السيادة الرقمية يسمى:
Vendor Lock-in
أي أن تبني مؤسسة نظامًا أو منصة بطريقة تجعل نقل البيانات أو الانتقال إلى مزود آخر لاحقًا صعبًا جدًا أو مكلفًا.
لهذا يجب أن تراعي العقود الحكومية والمؤسسية منذ البداية:
إمكانية تصدير البيانات، قابلية نقل الأنظمة، استخدام المعايير المفتوحة حيثما كان ذلك مناسبًا، وضوح ملكية البيانات، وآلية الخروج من الخدمة.
الدولة الرقمية القوية لا تحتاج إلى بناء كل تقنية بنفسها، لكنها تحتاج إلى أن لا تفقد القدرة على الاختيار.
السيادة الرقمية ليست أمنًا فقط… بل اقتصاد أيضًا
هذه النقطة ترتبط مباشرة بما طرحته في مقالي السابق «الاقتصاد الرقمي… مورد جديد للعراق».
إذا طور العراق مراكز البيانات، والخدمات السحابية، والأمن السيبراني، وصناعة البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، فإن الإنفاق الذي يذهب إلى شراء الخدمات التقنية يمكن أن يتحول جزء منه إلى استثمار داخل الاقتصاد العراقي.
وسينشأ معه طلب على:
مهندسي Cloud، خبراء الأمن السيبراني، مهندسي الشبكات، مطوري البرمجيات، مهندسي البيانات، مختصي الذكاء الاصطناعي، مديري مراكز البيانات، خبراء الخصوصية والامتثال، ومدققي الأنظمة الرقمية.
أي أن السيادة الرقمية تستطيع أن تجمع بين هدفين:
حماية المصالح الوطنية + بناء صناعة رقمية محلية.
ماذا يحتاج العراق عمليًا؟
برأيي، بناء سيادة رقمية حقيقية يحتاج إلى مسار متكامل، وليس مشروعًا واحدًا أو مركز بيانات واحدًا.
يبدأ ذلك بوضع استراتيجية وطنية لحوكمة البيانات تحدد الملكية والتصنيف والتخزين والمعالجة والمشاركة.
ثم تطوير إطار شامل لحماية البيانات الشخصية.
وبالتوازي، توسيع البنية الوطنية لمراكز البيانات والخدمات السحابية وفق معايير واضحة للأمن والاعتمادية.
كما يحتاج العراق إلى تعزيز البنية الأساسية للإنترنت، وتوسيع نقاط تبادل الحركة المحلية، وتسريع تبني تقنيات حديثة مثل IPv6، خصوصًا أن معدل تبنيه في العراق لا يزال منخفضًا بحسب بيانات Internet Society لعام 2026.
ويجب أن يصاحب ذلك اعتماد سياسات واضحة للـCloud الحكومي، وإدارة هوية رقمية آمنة، وتشفير البيانات الحساسة، وإنشاء خطط للاستجابة للحوادث والتعافي من الكوارث.
أما في مجال الذكاء الاصطناعي، فمن الضروري بناء حوكمة للبيانات والنماذج قبل التوسع الكبير في استخدامها.
والأهم من كل ذلك هو الإنسان.
لا توجد سيادة رقمية حقيقية من دون كوادر عراقية قادرة على تصميم هذه الأنظمة وتشغيلها وحمايتها وتدقيقها وتطويرها.
السيادة الرقمية لا تعني الانغلاق
من الضروري ألا يتحول مفهوم السيادة الرقمية إلى دعوة للانعزال التقني.
العراق يحتاج إلى الشركات العالمية، والتعاون الدولي، والاستثمارات، والحوسبة السحابية، ونقل المعرفة، والمعايير العالمية.
لكن الفرق بين التعاون والاعتماد الكامل كبير.
الهدف ليس أن نصنع كل شريحة إلكترونية وكل برنامج داخل العراق.
الهدف أن نعرف:
ما التقنيات التي يمكن شراؤها؟
ما البيانات التي يمكن استضافتها خارجيًا؟
ما الذي يجب أن يبقى تحت سيطرة وطنية أكبر؟
وما القدرات التي لا ينبغي للدولة أن تعتمد فيها بالكامل على الخارج؟
هذه هي السيادة الرقمية الواقعية.
من مستهلك للبيانات إلى دولة تدير أصولها الرقمية
العراق يمتلك فرصة مهمة.
فهو لا يبدأ من الصفر، وهناك تحرك فعلي في مجالات الأمن السيبراني ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وتنظيم البيئة الرقمية. لكن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من المشاريع الرقمية المنفصلة إلى رؤية وطنية مترابطة.
التحول الرقمي الناجح ليس عدد التطبيقات التي نطلقها، ولا عدد المعاملات التي نحولها من الورق إلى الشاشة.
النجاح الحقيقي هو أن نبني بيئة رقمية آمنة، مستقرة، قابلة للاستمرار، تحمي بيانات المواطن، وتمنح الدولة القدرة على إدارة مواردها الرقمية واتخاذ قراراتها التقنية بثقة.
فالبيانات التي ننتجها اليوم ستصبح جزءًا من القرارات والاقتصاد والذكاء الاصطناعي الذي سنعتمد عليه غدًا.
ولهذا، إذا كان الاقتصاد الرقمي موردًا جديدًا للعراق، فإن السيادة الرقمية هي أحد أهم الشروط لحماية هذا المورد وتعظيم قيمته.
السيادة في العصر الرقمي لا تعني أن نغلق أبوابنا أمام العالم؛ بل أن نتعامل مع العالم ونحن نمتلك القدرة على حماية بياناتنا، واختيار تقنياتنا، وإدارة مستقبلنا الرقمي.
المهندسة سجى البياتي
الأمن السيبراني والتحول الرقمي